محمد الغزالي

378

فقه السيرة ( الغزالي )

عبد المطلب أن يسلم هو وعياله ، وأن يهجروا مكة إلى المدينة ، فقابلوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الطريق مقبلا بجيشه على مكة ، وخرج كذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وعبد اللّه بن أبي أمية ، فلقيا النبي صلى اللّه عليه وسلم بالأبواء - وهما ابن عمه وابن عمّته - وكانا من أشدّ الناس إيذاء له بمكة ، فأعرض عنهما لما ذكر من مساءتهما . لكنّ عليّ بن أبي طالب أشار إلى ابن عمه أبي سفيان بوسيلة يترضّى بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال له : ائته من قبل وجهه ، وقل ما قال إخوة يوسف : تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ [ يوسف : 91 ] فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه جوابا . ففعل ذلك أبو سفيان ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [ يوسف : 92 ] . وأنشده أبو سفيان أبياتا جاء فيها : لعمرك إنّي حين أحمل راية * لتغلب خيل اللّات خيل محمّد لكالمدلج الحيران أظلم ليله * فهذا أواني حين أهدى فأهتدي هداني هاد غير نفسي ودلّني * على اللّه من طرّدته كلّ مطرد فضرب الرسول صلى اللّه عليه وسلم على صدره وهو يقول له : « أنت طردتني كلّ مطرد » « 1 » . [ تعمية أخبار الجيش ] : وسار الجيش يطوي الوهاد والنجاد مسرعا إلى مكة حتى بلغ « مرّ الظهران » قريبا منها في العشاء ، فنزل الجيش ، ونصبت الخيام ، وأوقدت النيران في معسكر يضمّ عشرة آلاف ، حتى أضاء منها الوادي ، وأهل مكة في عماية من أمرهم ، لا يدرون عن القضاء النازل بهم شيئا . . . وعزّ على العباس أن تجتاح مكة في أعقاب قتال تتنافى فيه ، ولا يغنيها فتيلا . فخرج يبحث عن وسيلة تقنع قريشا بمسالمة النبي صلى اللّه عليه وسلم وتدخلها في أمانه . وصادف ذلك أن ثلاثة من كبراء مكة خرجوا يتعرّفون الأخبار ، ويتسمعون ما يقال ، فلمّا اقتربوا من الوادي راعهم ما به .

--> ( 1 ) حديث حسن ، أخرجه ابن جرير : 2 / 229 ، والحاكم : 3 / 43 - 44 ، من حديث ابن عباس ، وقال : « صحيح على شرط مسلم » ، ووافقه الذهبي ، وإنما هو حسن فقط .